الحافظ رجب البرسي
4
مشارق أنوار اليقين
ولذلك تجد كثيرا من علمائنا المحققين في المعرفة بالأسرار يثبتون لأئمة الهدى صلوات الله عليهم كل هاتيك الشؤون وغيرها مما لا يتحمله غيرهم ، وكان في علماء قم من يرمي بالغلو كل من روى شيئا من تلكم الأسرار حتى قال قائلهم : إن أول مراتب الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله . إلى أن جاء بعدهم المحققون وعرفوا الحقيقة فلم يقيموا لكثير من تلكم التضعيفات وزنا ، وهذه بلية مني بها كثيرون من أهل الحقائق والعرفان ومنهم المترجم ، ولم تزل الفئتان على طرفي نقيض ، وقد تقوم الحرب بينهما على أشدها ، والصلح خير . وفذلكة المقام أن النفوس تتفاوت حسب جبلاتها واستعداداتها في تلقي الحقائق الراهنة ، فمنها ما تبهظه المعضلات والأسرار ، ومنها ما ينبسط لها فيبسط إليها ذراعا ويمد لها باعا ، وبطبع الحال أن الفئة الأولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون ، كما أن الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حققوه في مدحرة البطلان ، فهنالك تثور المنافرة ، وتحتدم الضغائن ، ونحن نقدر للفريقين مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة وسلوكهم جدد السبيل في طلب الحق ونقول : على المرء أن يسعى بمقدار جهده وليس عليه أن يكون موفقا ألا إن الناس لمعادن كمعادن الذهب والفضة ( 1 ) وقد تواتر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام : أن أمرنا أو حديثنا - صعب مستصعب لا يتحمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب ، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان ( 2 ) . إذن فلا نتحرى وقيعة في علماء الدين ولا نمس كرامة العارفين ، ولا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقى منه ، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : لو جلست أحدثكم ما سمعت من فم أبي القاسم صلى الله عليه وآله لخرجتم من عندي وأنتم تقولون : إن عليا من أكذب الكاذبين ( 3 ) . وقال إمامنا السيد السجاد عليه السلام : لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ، ولقد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينهما فما ظنكم بسائر الخلق ( 4 ) ( وكلا وعد الله الحسنى ) و ( فضل الله المجاهدين على
--> ( 1 ) حديث ثابت عند الفريقين ( هامش الغدير ) . ( 2 ) بصائر الدرجات للصفار : 6 ، أصول الكافي : 1 / 216 . ( 3 ) منح المنة للشعراني : 14 . ( 4 ) بصائر الدرجات للصفار : 7 آخر الباب الحادي عشر من الجزء الأول وأصول الكافي لثقة الإسلام الكليني : 1 / 216 .